ابن كثير
118
البداية والنهاية
وحسن أخلاق وجود وحياء وحسن سمت ونور وبهاء وكثرة تلاوة وصلاة وصيام وقيام وطريقة حسنة واتباع للسلف الصالح ، وكانت له أحوال ومكاشفات ، وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى : إن لم تكن العلماء العاقلون أولياء الله فلا أعلم لله وليا ، وكان يؤم الناس للصلاة في محراب الحنابلة هو والشيخ العماد ، فلما توفي العماد استقل هو بالوظيفة ، فإن غاب صلى عنه أبو سليمان بن الحافظ عبد الرحمن بن الحافظ عبد الغني ، وكان يتنفل بين العشاءين بالقرب من محرابه ، فإذا صلى العشاء انصرف إلى منزله بدرب الدولعي بالرصيف وأخذ معه من الفقراء من تيسر يأكلون معه من طعامه ، وكان منزله الأصلي بقاسيون فينصرف بعض الليالي بعد العشاء إلى الجبل ، فاتفق في بعض الليالي أن خطف رجل عمامته وكان فيها كاغد فيه رمل ، فقال له الشيخ : خذ الكاغد وألق العمامة ، فظن الرجل أن ذلك نفقة فأخذه وألقى العمامة . وهذا يدل على ذكاء مفرط واستحضار حسن في الساعة الراهنة ، حتى خلص عمامته من يده بتلطف . وله مصنفات عديدة مشهورة ، منها المغني في شرح مختصر الخرقي في عشرة مجلدات ، والشافي في مجلدين والمقنع للحفظ ، والروضة في أصول الفقه ، وغير ذلك من التصانيف المفيدة ، وكانت وفاته في يوم عيد الفطر في هذه السنة ، وقد بلغ الثمانين ، وكان يوم سبت وحضر جنازته خلق كثير ، ودفن بتربته المشهورة ، ورئيت له منامات صالحة رحمه الله تعالى ، وكان له أولاد ذكور وإناث ، فلما كان حيا ماتوا في حياته . ولم يعقب منهم سوى ابنه عيسى ولدين ثم ماتا وانقطع نسله ، قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي : نقلت من خط الشيخ موفق رحمه الله تعالى : لا تجلسن بباب من * يأبى عليك وصول داره وتقول حاجاتي إليه * يعوقها إن لم أداره واتركه واقصد ربها * تقضى ورب الدار كاره ومما أنشده الشيخ موفق الدين لنفسه رحمه الله تعالى ورضي عنه قوله : أبعد بياض الشعر أعمر مسكنا * سوى القبر ، إني إن فعلت لأحمق يخبرني شيبي بأني ميت * وشيكا , فينعاني إلي ويصدق يخرق عمري كل يوم وليلة * فهل مستطاع رقع ( 1 ) ما يتخرق كأني بجسمي فوق نعشي ممددا * فمن ساكت أو معول يتحرق إذا سئلوا عني أجابوا وعولوا * وأدمعهم تنهل هذا الموفق وغيبت في صدع من الأرض ضيق * وأودعت لحدا فوقه الصخر مطبق ويحثو علي الترب أوثق صاحب * ويسلمني للقبر من هو مشفق
--> ( 1 ) في شذرات الذهب 5 / 91 : رفو .